يمثّل الذكاء الاصطناعي الوكيلي التحول المعماري الكبير القادم في التكنولوجيا المصرفية. فكما أحدثت الحوسبة السحابية تحولًا جذريًا في البنية التحتية، وأعادت الخدمات المصغّرة تشكيل تصميم التطبيقات، ستُحدث الوكلاء الأذكياء تحولًا في الطريقة التي تُؤتمت بها البنوك عملياتها، وتخدم عملاءها، وتدعم موظفيها.وقد بدأت مؤسسات عديدة بالفعل هذه الرحلة بالاعتماد على أطر عمل مفتوحة المصدر، مثل LangChain وLangGraph، وغيرها من تقنيات تنسيق الوكلاء وتشغيلهم. ولا شك في أن هذه الأدوات تتمتع بقدرات هندسية متقدمة، لكنها لكن لا ينبغي أن تصبح هي البنية المعمارية المؤسسية الأساسية.

في بنك الإمارات دبي الوطني، نؤمن بأن كل بنك كبير ينبغي أن يطوّر إطار عمله المؤسسي الخاص للذكاء الاصطناعي الوكيلي، بحيث يستفيد من التقنيات مفتوحة المصدر في الطبقات الأساسية، مع توفير منصة مستقرة وخاضعة للحوكمة لفرق تطوير التطبيقات.وتجسّد هذه الرؤية فلسفة إطار عمل Leap للذكاء الاصطناعي الوكيلي (Leap AI Agentic Framework)، الذي يُعد أحد الركائز الأساسية لاستراتيجية البنك في مجال الذكاء الاصطناعي. ويمنحنا Leap القدرة على تطوير ونشر حلول الذكاء الاصطناعي بالسرعة التي تفرضها وتيرة تطور هذه التقنية، مع ضمان تضمين جميع الضوابط التي يتطلبها أي بنك خاضع للتنظيم منذ كتابة أول سطر من الشيفرة البرمجية.

يقدّم التاريخ مثالًا مفيدًا. فقليلٌ من المؤسسات يتيح الوصول المباشر إلى منصة Kubernetes لآلاف مطوري التطبيقات. وبدلًا من ذلك، قمنا في بنك الإمارات دبي الوطني ببناء منصات داخلية ("الطرق المعبّدة") تُوحّد معايير الأمن، والشبكات، وقابلية المراقبة (Observability)، وخطوط النشر (Deployment Pipelines)، والممارسات التشغيلية.وبذلك أصبحت Kubernetes مجرد طبقة تنفيذية في الخلفية، وليست الواجهة التي يبني المطورون تطبيقاتهم عليها. وينطبق المبدأ الهندسي ذاته على الذكاء الاصطناعي الوكيلي.

لا يكمن التحدي الحقيقي الذي تواجهه البنوك في استدعاء نموذج لغوي كبير؛ فالاتصال بنماذج مثل GPT أو Claude أو   Gemini لا يتطلب سوى بضعة أسطر من الشيفرة البرمجية. أما التحدي الحقيقي، فيكمن في ضمان امتثال كل حل يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمعايير أمن المعلومات المؤسسية، والمتطلبات التنظيمية، وسياسات حوكمة البيانات، والمبادئ المعمارية للمؤسسة.ويجب أن تتحكم البنوك في كيفية مصادقة الوكلاء على أنظمة الخدمات المصرفية الأساسية، وآليات حماية بيانات العملاء الحساسة، وضمان أن يكون كل قرار قابلاً للتدقيق والتفسير، وإمكانية تتبّع عملية الاستدلال من بدايتها إلى نهايتها، وفرض الإشراف البشري على الإجراءات ذات الأثر الجوهري، إضافةً إلى مراقبة سلوك الوكلاء في بيئة الإنتاج.وتُعد هذه اعتبارات مؤسسية تتعلق بإدارة مخاطر النماذج أكثر من ارتباطها بهندسة الأوامر (Prompt Engineering)، كما أنها تتجاوز بكثير نطاق أي إطار عمل مفتوح المصدر.

وهنا تتجلى القيمة الحقيقية لإطار عمل مؤسسي مثل .Leapفبدلاً من مطالبة كل فريق هندسي بمعالجة هذه التحديات بشكل مستقل، يوفّر Leap هذه الإمكانات كقدرات مدمجة ضمن المنصة.فأي فريق يطوّر حلولًا بالاعتماد على Leap يستفيد تلقائيًا من خدمات المصادقة، وإدارة الصلاحيات، وقابلية المراقبة (Observability)، وسجلات التدقيق، وحوكمة النماذج، وإدارة الأوامر (Prompt Management)، وتقييم النماذج، وضوابط التكلفة واستهلاك الرموز (Tokens)، إضافةً إلى التكامل مع أدوات المؤسسة، وذلك بشكل افتراضي.وبذلك، يُولد كل وكيل يُبنى على Leap وهو خاضع للحوكمة بطبيعته. فيركّز المهندسون على حل المشكلات التجارية، بينما تضمن المنصة تطبيق الضوابط والحوكمة اللازمة.

ومن الفوائد التي لا تقل أهمية عن ذلك تحقيق الاستقلالية التقنية. إذ يشهد النظام البيئي للذكاء الاصطناعي تطورًا بوتيرة استثنائية، مع ظهور نماذج تأسيسية (Foundation Models)، وأطر تنسيق (Orchestration Frameworks)، وتقنيات استدلال جديدة تكاد تتجدد شهريًا. أما التطبيقات المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتقنيات اليوم، فستتطلب إعادة هيكلة مستمرة للشيفرة مع تطور تقنيات الغد. ومن خلال توفير طبقة تجريد مؤسسية مستقرة، تستطيع البنوك اعتماد نماذج وأطر عمل جديدة داخل منصة Leap دون الحاجة إلى تعديل تطبيقات الأعمال. فالمنصة تتطور باستمرار، بينما تظل تطبيقات الأعمال مستقرة.

كما يرسخ الإطار المؤسسي اتساقًا هندسيًا على نطاق واسع. فمن دون معايير موحدة، ستتبنى الفرق المختلفة حتمًا أطر عمل وأنماط تكامل ونماذج حوكمة متباينة، مما يؤدي إلى التجزئة، وتكرار الجهود، وزيادة المخاطر التشغيلية، وهي أمور لا يمكن لأي مؤسسة مالية خاضعة للتنظيم تحملها. ويحدد Leap معمارية موحدة لجميع حلول الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تطوير آلاف الوكلاء الأذكياء وفق الممارسات الهندسية نفسها، وضوابط الأمن ذاتها، وأدوات التشغيل الموحدة. هناك طريقة واحدة لبناء وكيل ذكي، وهي بناؤه ضمن اطار خاضع للحوكمة. وتزداد قيمة هذا الاتساق مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة.

ولا ينتقص أي مما سبق من أهمية البرمجيات مفتوحة المصدر. بل على العكس، فإن وتيرة الابتكار المتسارعة التي يقودها مجتمع المصادر المفتوحة تُعد أحد أبرز عناصر قوة منظومة الذكاء الاصطناعي اليوم، كما أن البرمجيات مفتوحة المصدر تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الهندسية لبنك الإمارات دبي الوطني. وينبغي للبنوك أن تستفيد بفاعلية من تقنيات مثل LangChain وLangGraph. غير أن القرار المعماري الأهم يتمثل ببساطة في تحديد موضع هذه التقنيات داخل المنظومة، إذ ينبغي أن تكون جزءًا من المنصة المؤسسية، لا أن تُشكّل واجهتها الخارجية. ومن خلال دمج ابتكارات المصادر المفتوحة مركزيًا، تُمكّن البنوك جميع الفرق الهندسية من الاستفادة من القدرات الجديدة، من دون التسبب في التجزئة أو زيادة التعقيد التشغيلي.

وفي نهاية المطاف، لن تتحقق الميزة التنافسية للبنوك من خلال امتلاك أفضل نموذج لغوي. فالنماذج التأسيسية (Foundation Models) تتحول بسرعة إلى تقنيات متاحة على نطاق واسع، وستواصل المؤسسات اعتماد النماذج التي توفر أفضل مزيج من الأداء، والتكلفة، والملاءمة التنظيمية.أما عامل التميز المستدام، فستكون المنصة الهندسية القادرة على حوكمة هذه النماذج، وتأمينها، وتشغيلها بكفاءة وعلى نطاق واسع.

يجسد إطار Leap للذكاء الاصطناعي الوكيلي هذه الفلسفة. فهو لم يُصمم لمنافسة أطر التنسيق مفتوحة المصدر، بل لتوفير طبقة التجريد المؤسسية التي تُمكّن البنك من الاستفادة منها بأمان وباتساق. ومن خلال الجمع بين سرعة الابتكار التي يحققها مجتمع المصادر المفتوحة، ومستوى الحوكمة، والأمن، والانضباط المعماري الذي تتطلبه المؤسسات المصرفية، يتيح Leap بناء آلاف الوكلاء الأذكياء على أساس مؤسسي يظل مستقراً حتى مع استمرار تطور مشهد الذكاء الاصطناعي من حوله.وفي القطاع المصرفي، غالبًا ما يُنظر إلى السرعة والضبط المؤسسي على أنهما مقايضة لا بد منها. لكن عند بناء المنصة بالشكل الصحيح، تتعاظم مزايا كلٍ منهما بمرور الوقت بدلاً من أن تكون إحداهما على حساب الأخرى. وهذه هي البنية المعمارية التي ستميّز البنوك الرائدة في عصر الذكاء الاصطناعي.