على مدى عقود، اعتمدت البنوك على استطلاعات الرأي، وتحليل الشكاوى، والتقارير التشغيلية، ومراجعة عينات من تفاعلات العملاء لقياس تجربة العملاء. ورغم أن هذه الأساليب لا تزال ذات قيمة، فإنها صُممت لعالمٍ أبسط، كان يضم عددًا أقل من نقاط التواصل، ومسارات عملاء أكثر قابلية للتنبؤ، وحجمًا أقل بكثير من التفاعلات التي تحتاج إلى التحليل.

أما اليوم، فيتنقل العملاء بسلاسة بين القنوات الرقمية والقنوات التي تعتمد على الدعم البشري. وتترك كل خطوة إشارةً تكشف احتياجاتهم، وتوضح أين يواجهون التحديات. وعلى مستوى القطاع، تجاوز حجم هذه التفاعلات بكثير ما يمكن لأي أسلوب يعتمد على أخذ العينات أن يستوعبه. يسجل بنك الإمارات دبي الوطني اكثر من ستة ملايين مكالمة مع العملاء سنويًا. ولم يعد التحدي يتمثل في جمع آراء العملاء، بل في فهم هذه التجارب على نطاق واسع وتحويلها إلى إجراءات عملية ذات أثر.

ويُعد الذكاء التحاوري (Conversational Intelligence ) إحدى أبرز الفرص التي أتاحها الذكاء الاصطناعي للارتقاء بتجربة العملاء، كما يمثل أحد الركائز الأساسية لاستراتيجية بنك الإمارات دبي الوطني في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي إطار برنامجها الشامل لتطوير تجربة العملاء، يعمل بنك الإمارات دبي الوطني على بناء القدرات التي تُمكّنه من تجاوز الاعتماد على الملاحظات المجزأة، والوصول إلى فهمٍ أعمق لاحتياجات العملاء من خلال التفاعلات التي يجرونها يوميًا.

ويُعد نظام تحليلات ما بعد المحادثة (Post Conversation Analytics – PCA) منصةً للذكاء التحاوري مدعومةً بالذكاء الاصطناعي، طوّرها بنك الإمارات دبي الوطني لتحليل ملايين مكالمات العملاء على نطاق واسع. ويحوّل هذا النظام محادثات العملاء إلى رؤى عملية قابلة للتنفيذ، تُسهم في دعم اتخاذ قرارات أعمال أفضل وتحقيق نتائج أفضل للعملاء.

وصُمم نظام PCA)) ليتجاوز مجرد تحليل ما قيل في المحادثة، إذ يركّز على فهم ما يسعى العملاء إلى تحقيقه، وتحديد مواضع الاحتكاك في رحلتهم، واستكشاف السبل الكفيلة بتحسين تجربتهم.

وبالنسبة للعملاء، فإن أثر النظام يظهر بشكل فوري، من خلال تسريع معالجة الطلبات، وتقليل الحاجة إلى التواصل المتكرر، وتعزيز وضوح التواصل، وتوفير رحلات أكثر سلاسة عبر مختلف القنوات. ومن خلال تحديد الأسباب الجذرية للجهد الذي يبذله العملاء على نطاق واسع، يساعد نظام PCA)) بنك الإمارات دبي الوطني على تحسين التجارب الأكثر أهمية بشكل استباقي، بما يتيح تقديم خدمات أكثر استجابة، وتخصيصًا، وتركيزًا على احتياجات العملاء.

ولنأخذ مثالًا على ذلك: عميل يحاول إتمام طلب خدمة عبر القنوات الرقمية ثم يضطر إلى الاتصال بمركز الخدمة. يستطيع نظام PCA)) تحديد ما إذا كان سبب ذلك يعود إلى غموض في التعليمات، أو فجوة في الإجراءات، أو قصور في تصميم رحلة العميل. ومن خلال معالجة السبب الجذري، يصبح بإمكان العملاء مستقبلاً إنجاز المهمة بسهولة ومن دون الحاجة إلى طلب المساعدة.

يعمل نظام (PCA) في إطار بنك الإمارات دبي الوطني للحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي ومعايير خصوصية البيانات، وقد صُمم لغرض محدد وواضح: فهم تجربة العميل وتحسينها، وليس إنشاء ملفات تعريفية للأفراد.

ويعتمد النظام على الذكاء الاصطناعي التوليدي، والنماذج اللغوية الكبيرة، وتحليلات الكلام، ومعالجة اللغة الطبيعية، لتحويل المحادثات غير المنظمة إلى رؤى منظمة وآمنة، من خلال تحديد نوايا العملاء، والموضوعات المتكررة، ومواطن القصور في الخدمات، وفرص التحسين. ويدعم النظام اللغة الإنجليزية حاليًا، وقد صُمم بما يتيح دعم اللغة العربية وغيرها من لغات المنطقة مستقبلًا.

وبالنسبة لبنك الإمارات دبي الوطني، يوفر نظام PCA)) رؤية أكثر شمولًا واستمرارية، تستند إلى البيانات، لتجربة العملاء. فمن خلال تحليل محادثات العملاء بشكل جماعي، يحدد النظام أسباب تواصل العملاء مع البنك، ومواطن تركز الطلب، ونقاط الاحتكاك التي يواجهونها، وكيف تتطور هذه الأنماط بمرور الوقت.

وتساعد هذه الرؤى فرق العمل المختلفة في بنك الإمارات دبي الوطني على الانتقال من التعامل مع ملاحظات متفرقة إلى اتخاذ إجراءات منسقة ومبنية على الأدلة. إذ تستطيع فرق الخدمة تحديد المشكلات المتكررة بسرعة أكبر، بينما تتمكن الفرق الرقمية من ترتيب أولويات تحسين رحلات العملاء استنادًا إلى السلوك الفعلي للعملاء. كما يمكن لفرق المنتجات اكتشاف احتياجات العملاء الناشئة، في حين تعالج فرق العمليات الفجوات في الإجراءات أو التواصل التي تتطلب جهدًا إضافيًا من العملاء. ومن خلال رؤية موحدة لتحديات العملاء وأسبابها الجذرية، يستطيع البنك توجيه جهوده نحو التحسينات التي تحقق أكبر أثر.

لكن الرؤى وحدها لا تُحدث تغييرًا. فامتلاك منصة تنتج تحليلات دقيقة من دون القدرة على تحويلها إلى تحسينات عملية ليس سوى وسيلة مكلفة لمعرفة الواقع. ولذلك، لا يقل امتلاك نموذج تشغيلي متين أهميةً عن امتلاك منصة تحليل متقدمة.

لم يعد مجرد الاستماع إلى العملاء هو التحدي الحقيقي، بل أصبح التعلم المستمر من تجاربهم هو ما يصنع الفارق. ومع توسع استخدام نظام (PCA) عبر مختلف القنوات واللغات والتجارب، يرسخ بنك الإمارات دبي الوطني الأسس لمنظومة أكثر ذكاءً واستجابةً لتجربة العملاء، منظومة تسهم فيها الرؤى المستخلصة من ملايين التفاعلات في تشكيل المنتجات والخدمات وتجارب العملاء المستقبلية بصورة مستمرة.